مقدمـة : أقولها بكل صراحة : ( في الناس خير ) بجميع طبقاتهم وأشكالهم وجنسياتهم ولعلك توافقني بشرط أن تكون ممن ينظر - بعين إيجابية - وإلى الجانب الآخر الذي قد لا يظهر لك من المرة الأولى
فذلك الصحابي الذي جيء به وهو يشرب الخمر ليقام عليه الحد وإذا بصحابي يعلن أمام الملأ ( لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ) وفي لفظ آخر : ( أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به ) فتكون الإجابة التي تخرج من الرحمة المهداة - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ) [ رواه البخاري ]
فانظر لظاهر الصحابي الأول من شرب الخمر الذي تواترت النصوص بتحريمه ولعن فاعله ومع ذلك فإن هذا الشارب للخمر قد يكون في قلبه رصيد من الخير والحب لله ولرسوله
وينطبق هذا الوصف - على بعض - من نرى ممن وقعوا في بعض المخالفات الظاهرة كإسبال الثياب وحلق اللحية وحب الغناء فإن الواحد لو وقع في مثل ذلك فيجب أن لا نتعامل معه وكأنه وقع في ناقض من نواقض الإسلام ونظهر عداوته الكاملة ونحذر منه وندعو عليه لأنه ربما يكون هذا وغيره ممن له إسهامات كبيرة في فعل الخير أو البر أو النفع المتعدي كالصدقات مثلاً مما لا يوجد مثله أو حتى جزء منه عند بعض الصالحين وكم رأيت ورأى غيري ممن له تجربة في مخالطة الناس وخاصة العامة من هذا الجانب الخيري لدى بعض أولئك الناس
إن الناس عموماً فيهم حب الدين وتعظيمه وحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدفاع عنه والحزن على ما يجري للمسلمين
ولكـن نعتب عليهــم عتب الأخوة الصـادقة والمحبة في الله تعالى بمخالفتهـم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي حلق اللحية
لـذا آمل منك أخـي أن تقرأ هذا الموضوع : إن اللحية هي نعمة جليلة عظيمة تفضل الله بها على الرجال وميزهم عن النساء وجعلها زينة لهم لما تضفي عليهم من سيما الرجولة والهيبة والوقار
وهي ليست مجرد شعيرات تنبت في الوجه فقط بل إنها من شعائر الإسلام الظاهرة التي نتقرب إلى الله بإعفائها وتعظيمها قال تعالى ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) [الحج:32] فهي من سنن المصطفى وقد أمر بإعفائها وإرجائها
ولـكـن على الرغم من كل ما جاء في تعظيمها والأمر بإعفائها إلا أن كثيراً من المسلمين - هدانا الله وإياهم - في هذا الزمن قد احتقروا هذه الشعيرة العظيمة وامتهنوها وحلقوها من وجوههم والذي لم يحلقها كلها أخذ يتلاعب بها فمنهم من يجعلها صغيرة على الذقن ومنهم من يجعلها خفيفة كأنها خط أسود خفيف ومنهم من يربط شاربه مع لحيته ويجعلها على شكل دائرة إلى غير ذلك من الأشكال المحزنة والمضحكة في نفس الوقت والتي لا تليق بأي عاقل أن يفعلها بوجهه فضلاً عن أن يكون مسلماً قد أمر بتكريمها وإعفائها
قيمة اللحية ومكانتها عند السلف إن إعفاء اللحية من هدي الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وكذلك الصحابة الكرام والسلف الصالح - رضي الله عنهم أجمعين - فلم يذكر عن أحد منهم أنه كان يحلق لحيته بل على العكس من ذلك كانوا يعظمونها ويعلون شأنها كان قيس بن سعد رجلاً أمرد لا لحية له فقال قومه الأنصار : نعم السيد قيس لبطولته وشهامته ولكن لا لحية له فوالله لو كانت اللحى تشترى بالدراهم لاشترينا له لحية
وهذا الأحنف بن قيس كان رجلاً عاقلاً حليماً وكان أمرد لا لحية له وكان سيد قومه فقال بعضهم : وددنا أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألف فلم يذكروا حنفه ولا عوره وإنما ذكروا كراهية وعدم وجود اللحية عليه وما ذلك إلا لأن اللحية عند هؤلاء الأخيار تعتبر من الجمال والرجولة والكمال لشخصية المسلم وكان الواحد منهم أهون عليه أن تزول رقبته ولا تزول لحيته
أمـا الـيـوم فكثير من أبناء المسلمين لا يتمنى أن يشترى له لحية بل إنه يدفع الأموال لإزالتها من وجهه بل قد يود بعضهم لو عدمها نهائياً وساق على ذلك آلاف الداراهم نعوذ بالله من ذلك
أدلة تحريم حلق اللحية قال تعالى : ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ ) [النساء:119]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب ) [متفق عليه] وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى ) [رواه مسلم] وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( من لم يأخذ من شاربه فليس منا ) [رواه مسلم] وأمر النبي يقتضي الوجوب
قال ابن تيمية - رحمه الله - : ( يحرم حلق اللحية ) وقال القرطبي - رحمه الله - : ( لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قصها ) وقال عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - : ( إن تربية اللحية وتوفيرها وإرخائها فرض لا يجوز تركه )
وحلق اللحية ليس من الأمور الصغيرة كما يتوهمه البعض بل ربما يكون حلقها أعظم إثماً من بعض المعاصي الأخرى لأن حلقها يعتبر من المجاهرة بالمعصية وقد لا يتعافى حالقها ولا يغفر له بسبب هذه المجاهرة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل أمتى معافى إلا المجاهرين )
إضافة أيضاً إلى أن كراهية اللحية أو الإستهزاء بها وبأهلها يُخشى على فاعله من الردة والكفر والعياذ بالله لأن من نواقض الإسلام الاستهزاء والسخرية بهدي النبي أو كراهية ما جاء به وحلق اللحية قد ينم على كراهيتها والتخلص منها وكراهيتها قد يكون أيضاً سبباً لحبوط الأعمال كما في قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) [محمد:28] فليحذر المسلم من أن يحبط عمله أو أن يخرج من الإسلام وهو لا يشعر
فيا أخي الحبيب يا من اعتدت على حلق لحيتك تب إلى الله من هذا العمل واترك لحيتك كما خلقها الله لك واتبع سنة نبيك الذي أمرك بها ولا تعرض نفسك لسخط الله وعقابه بسببها فكما أنك يا أخى قد أطعت الله في الصلاة والصيام وبعض الواجبات الأخرى فما الذي يمنعك من أن تطيعه كذلك في أمر اللحية ؟ أليس الذي أمرك بكلا الحالتين هو الله جل وعلا ؟ لماذا تفرق بين أوامره فتطيعه في أمر وتعصيه في آخر؟ أين تعظيم الله ؟ أين صدق الإيمان ؟ أين الاستجابة للرحمن ؟ لماذا هذا التلاعب بأوامر الشرع والاستخفاف بها ؟
إن الله قد ذم من يفعل مثل ذلك من أهل الكتاب فقال تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [البقرة:85] فلا تعرض نفسك أخي الكريم لمثل هذا الذم وتتشبه بهم والتزم بجميع أوامر الله صغيرها وكبيرها تسعد في الدنيا والآخرة
فيا أخي الحبيب يا من تحلق لحيتك، كيف يهون عليك أن تفرط في لحيتك التي فيها وقارك ورجولتك وجمالك ؟ والله لا يليق ذلك بك وأنت الرجل المسلم العاقل ثم قل لي بربك : ماذا ينفعك حلقها ؟ هل لك في ذلك أجر وثواب ؟ هل لك في ذلك مصلحة دنيوية ؟ لماذا تُعرض نفسك للعذاب وأنت في غنى عنه ؟ ولماذا تُتعب نفسك لأن حلاقتها كلها تعب وخسارة وإضاعة وقت ومال لماذا كل ذلك يا أخي ؟ اترك لحيتك في وجهك كما خلقها الله لك ولا داعي لإتعاب نفسك هي كم وزنها حتى تزيلها من وجهك ؟ هل ثقلت عليك أو شوهت وجهك ؟ لا أظن أن شيئاً من ذلك يحصل بسبب اللحية
اعلم أخي الكريم أن القضية ليست قضية شعر فقط إنما القضية قضية استسلام وخضوع لأوامر واتباع لهدي الرسول - عليه الصلاة والسلام واعتزاز به وانقياد لأوامره