ذهبت لأتوضأ في المكان المخصص لذلك في أحد المساجد . فإذا بعبارة ( أو بيت إن صح وزنه ) مكتوباً على الجدار : ] من خانك لا تخونه . ابتسم له تهينه [ فصادفت تلك الكلمات من قلبي مكاناً خالياً فتمكّنت ! . وهي التي جعلتني أشرع في كتابة مقالي هذا . ولست أصوِّب هذا العمل - أقصد الكتابة على الجدران - خاصة وأنه على جدار بيت من بيوت الله ، ولا يهمّنا معرفة الشخص الذي فعل فعلته التي فعل ولم يدل لنا بأية أثرعنه لنمنحه جائزة ) ثاني التومي للبلاغة والآداب ) !
ذلك لأنه اتضح أنها من ريشة أحد المراهقين - وأنا أحدهم عُرْفاً ! - بناء على المعطيات الأولية لساحة الجريمة ( شخبطة ) و ( جدار ) !
أجزم بأن الذي خطّها وزخرفها من الذين يكتبون ويقولون ما لا يفعلون . هو يوحي لنفسه بأنها ابتسامة مظفَّر والله أعلم بما في جوفه من نيران تتسعَّر !
فما في الأرض أشقى من محبٍ
... وإن وجد الهوى حلو المذاقِ
تراه باكياً في كل حالِ
... مخافة فرقةٍ أو لاشتياقِ
فيبكي إن نئوا شوقاً إليهم
... ويبكي إن دنوا حذر الفراقِ
نعم قد يظهر التجلد والصبر وأنَى له لك ! ، فهو كنبتة صفراء ملتوية تتوالى عليها ضربات الشمس يوماً بعد يوم ، فاقتلاعها من نصيب أول نسمة لطيفة تَنْقضُّ عليها ..
قلت هذا الكلام وفي اعتقادي أنه شخصٌ من بني جلدتنا ومجتمعنا عبث بقلبه وشرَّده كلّ مشرد حبٌّ منكوس الفطرة والدين والمرؤة ! ، ولم أبيِّت النية أن أكتب في هذا الأمر المرّ الذي استعبد الحرَّ ، وقصم بحسامه الظهرَ ، فيا له من بلاءٍ وفتنةٍ وشر !!
ما قرأته على ( الجدار ) قادني لمعنى آخر ولكن من طرفٍ خفي ، ولكن لا بأس أن استطرد لما أشرت إليه فلربما يقرأ مقالتي شخصٌ من إخواننا يحبُّنا ونُحبَه أُبتلي بهذا الداء العضال والذي يُعمل السمَّ بالبدن فينفعه الله بما قرأ . فأقول أن شفاؤه حقيقة في الآية الكريمة } كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين { فهذا هو الدواء الأس وكل دواء غيره يكون تبعاً له لكن شريطة أن لا يؤخذ من باب التجربة !! (1)
الإخلاص لله يطفيء من القلب نيرانه وشهواته وخَبَثُه ، ويغسل ماتبقّى من آثارها .. وها هو السرّ في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يغسل خطاياه بالماء والثلج والبَرَد مع أن الماء الحار أبلغُ في التنقية ، لكن لما كانت الذنوب والخطايا والشهوات توجب حرارة في القلب قابلها الماء البارد والثلج والبرد (2) . وهذا الدواء لم يصرفه طبيب مخلوق يحتمل النجاح أو الفشل أو العُطْب والتَّلَف في بعض الأحيان
قل للطبيب تخطفتك يد الردى
... يا شافي الأمراض من أرداكا ؟!!
أعود لعبارة ] من خانك لا تخونه . ابتسم له تهينه [ ولكن قبلها أود أن أنبِّهكم على أن ما سأقصده بالصديق هو من صحبناه لأخلاقه الحَسنة لا لخَلْقَه الحسن فقط ! (3)
العبارة حكيمة تفضي لمن يعملُ بها إلى رياض الراحة وصفاء القلب وتَعَجُّل دخول الجنة في الدنيا قبل الآخرة ، لكن بعد أن نُحرِّف كَلِمَهَا ونزيد فيها : ] من خانك لا تخونه . ابتسم له وامضي في طريقك (4) ففي الناس أبدالٌ وفي التَّرْكِ راحةٌ [
ولا يحمل هذا الكلام على الإطلاق فهو مقيَّد بحسبِ الخيانة ونتيجتها فمنها ما لا يُلتفت إليه - هذا إن أُطلق عليها خيانة أصلاً ! - كمن استأمنته على ( كيكة أولكر ) ذات الريال الواحد فأكلها في غيابك ، ومنها ما تُغتفر وما لا تُغتفر فهذه مرجعها إلى الدين أولاً وإلى المجتمع وإلى الشخص نفسه وأثرها فيه وهي تتفاوت ، ومن لم يتأثر بخيانة صديق ولم تحرِّك فيه ساكناً سواء كانت كبيرة أو صغيرة وبغضِّ النظر عن ما إذا سيسامحه ويراجعه بعدها أو لا ، فهو وعير(5) في الفلاة سواء ! ليبحث عن مشفى أو مصنع يُصَنِّع لهُ أحاسيس وإن لم تكن طبيعية خالصة ولكنها قد ترتقي لدرجة الحسن ، فنحن في عصر التكنولوجيا لم يدع فيه صغار الأعين شيئاً من ظاهر الحياة الدنيا إلا علموه و أوجدوه .
أما صُلب موضوعي - واختصار موضوعي(6) - فهو تحت هذا السؤال : لماذا إذا أساء لك أحد الأصدقاء أو هجرك تُزبد وتُرعد وتقوم لك الدنيا ولا تَقعُْد ؟ سؤال سخيف أليس كذلك ؟
لا أقول إني أعلم الغيب وذلك بإحاطتي ( بالحادثة ) وما تسبقها من علاقة أخوية قوية أُفرِغَ على أساساتها قِطْراً من الود والمحبة والألفة والنصيحة . وما أبريءُ ( مُقترفُها ) وكل من هو على شاكلته فهو ( زنديق ) في لغة الصداقة . لكن سؤالي والذي هو فرع من سؤالي الأول : هل يستحق ذلك الشخص أن نزعج أعضائنا وأفئدتنا بذكره . ونستدرُّ خطراتنا ونُسخِّرها في تعذيب ذواتنا بتذكّر جوانب الظلام والآلام في تلك الفترة المنصرمة ؟
للشافعي - رحمه الله - جواب لهذا السؤال قبل مئات السنين :
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلّفا
.... فدعه ولا تُكثر عليه التأسّفا !
ومن نعم الله أنَ كلما أوقد ثاني وسليمان الروسان نار يأسٍ لِحَرْق جنة الروح قيَّض من يردعهم كمعاذ والصييفي وأمثالهم ويَصبُّون على نارهم ماء التفاؤل والأمل صبّا ، فتعود حلوةٌ خضِرة تضمُّ زيتوناً ونخلا وحدائق ذات بهجة ..
امضوا -ياثاني ويا سليمان - بكتاباتكم الرائعة ولا تتوقفوا فلله درها من كتاباتٍ نتفيئوا تحت ظلالها ونقطف من ثمارها : الجملة البليغة ، واللفتةُ الأخَّاذة ، والثقافة الواسعة بعيداً عن أن تحت معانيها ناراً أشرنا إلى اسمها قبل قليل ..
ولكن هلَّا لطفتم بالقاريء من ناشئة الشباب - أمثالي - والذي تخبَّط داخل نصوصكم وارتُجَّ عليه فلا يدري أيشرِّق أم يغرِّب ؟ هل يهجر الأصحاب جملةً واحدة أم كلما أساء إليه أحدهم أصغر إساءة هَرَع بتكوين علاقة مع خمسين جُدد تحسّباً لحادثة ( خيانة مرتقبة ) !
هل بيَّنتم له صفات من يصلح أن يصطفيه من الأصدقاء ويختاره وهو في مطلع شبابه . وروح الإثارة والمغامرة والمعرفة قد تلبَّست به ، فبها يمشي وبها يتكلم وبها يضحك وللمزيد منها يسعى ويبحث !
هل أدرك عندما انحدر من جبل الثلج ( بمزلاجتيه ) ماهي نهاية الطريق ، هل سَيسلمُهُ إلى سريًّاً أم إلى شوكاً سعدانياً
ولو أنه نباتٌ صحراوي لا ينبت بالأماكن الباردة !
وهل كتبتم له عن توطئة النفس في حياته وعلى جني الثمار من الشوك وأن يكون كنحلة تدور بين الزهور فلا تخدش ولا تكسر ، ويكون كالنخيل إذا رُميت بالطوب تلقي بأطيب الثمر (7) .. هل أطنبتكم في شرح واستنباط الدرر من كلمةٍ تنسب للحسن البصري - رحمه الله - والذي يُشبِّهون كلامه بكلام الأنبياء ] أحبب حبيبك هويناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هويناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما [
هذه نقطة علم عن الصداقة من بطون الكتب وشطر هذا العلم في بطون الأيام ، فإن العلم لا يُحفظ ولا يثبت إلا إذا طبّقته أو ( طُبِّق عليك ) !
مقالة كتبتها ووكّلت غيري بنشرها هنا ، ففكرتها وكتابتها كانت في بيت من بيوت الله معتكفاً فيه (8) - آمل من الله أن لايُنقِص من أجري لأني أخبرتكم - بعيداً عن مصادري وأدبنا العربي الذي من شأنه أن يجعلها تقوم على قدمٍ وساق . فهذه بضاعتي الكاسدة أعرضها لك أيها القاريء الكريم فنَقِّب وفتِّش فيها عسى أن تجد فيها درع حكمة أو ثوب فائدة ولا تقبل زُخرفها وبهرجها بل رُدَّها إلي لكي لا تُفسد إن لُبست ماتحتها ( فلا ضرر ولا ضرار ) ..
اللهم رضاك نبغي ولو كان الأنام غضابُ !
فياليت الذي بيني وبينك عامرٌ
... وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صَحَّ منك الود فالكُلُّ هيِّنٌ
... وكل الذي فوق التراب ترابُ
.................................................. ........
(1) راجع كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم - رحمه الله - .
(2) هذه الفائدة من ابن تيمية - رحمه الله - .
(3) وفي الحديث ( اللهم كما أحسنت خَلْقِي فحسِّن خُلُقِي ) .
(4) قال عنترة : لايحمل الحقد من تعلوا به الرتبُ ... ولا ينال العلا من طبعهُ الغضبُ
(5) العير هو الجمل
(6) مابقي من الكلام أكثر من مامضى فكيف يكون إختصاراً !
(7) هذا كلام تقليدي تكرر على أسماعنا كثيراً ولكنه اللؤلو والمرجان !
(8) بالنسبة لمسابقة ( مجالس رمضان ) أعتذرعن الإنقطاع المافجيء والإضطراري ، فالفائز هو ثاني بجائزة مؤجلة – قد تكون حلاوة عيد ! -
من لي بمثل سيرك المدلل = تأتي أخيراً و تجي بالأول .
رايس فهيد ، لقد أصبحنا نشتاق لمواضيعك شوق عمر لمعاذ رضي الله عنهم .
رأيت الموضوع وقت إضافته ، لم أحبذ الرد سريعاً لأن هذا الموضوع يعتبر من المواضيع النخبوية في المنتدى .
والتي تمرر وجهة نظر ، بل هي نصيحة هامة ، سبكتها بنظم بلاغي بديع للغاية .
رايس فهيد
أطنبت الرأس متأسفاً على كل رد كتب بمعرفي باللامبالاة ، فقضية ( فتل العضلات ) في مشاركتنا أصبح تشبع بما لم نعط في بعض الأحيان ، نسأل الله الهداية .
رايس فهيد
الداء و شخصته و الدواء و وصفته ، و لا أحب نشر النشارة و بخاصة في أخشاب السلبيات ، فأحب الإكتفاء بالإشارة دون صريح العبارة . فالمراهق الذي خط بيراعه تلك الكلمات ، لم يكن بدعاً من قومه ، بل هو ميراث ثقافي لا أحد يستطيع إنكاره ، حتى و إن كان الحياء يأمره أن يكون متخفياً .
ليس لي بها حاجة ، فقد حزت على جائزة الدباغة من قبل !
اقتباس:
الرد عليك يحتاج لجلسات صراحة مع عقلي أفتش في رحله عن صواعك المفقود
ياعزيزي ماأنت ولا سليمان إلا طعمان اصطدت فيكما ومهدت من خلالكما ماكتبته هنا ، فالعلاقة بين ماكتبتم وبين ماكتبته هنا هشّة
بالكاد أن تتماسك ، وبالكاد قلمي أن يُوحّد صفهما في سطر واحد !
فلا تكترث كثيراً فمعارضتي جوفاء من القصد و الصحة ، فقط مررت من خلالها بعضاً من الرسائل ..
فإن كان لك عودة فدع عنك مامضى ولا تقلّب العظام النخرة ..
اقتباس:
لأنها تعمي وترضي وتغضب
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( حبك الشيء يعمي ويصم ) . [سنده ضعيف ]
اقتباس:
من لي بمثل سيرك المدلل = تأتي أخيراً و تجي بالأول
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد !
اقتباس:
بل هو ميراث ثقافي لا أحد يستطيع إنكاره ،
حتى و إن كان الحياء يأمره أن يكون متخفياً .